Actualité

Graphic Novels Take Centre Stage at the 18th Edition

من الرواية إلى الصورة

الروائي أمين الزاوي يستكشف آفاق الرواية المصوّرة

نشّط الروائي والأستاذ الجامعي أمين الزاوي، يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، محاضرة بعنوان «جسر بين الرواية والرواية المصورة»، أدارها الكاتب والشاعر والصحفي لزهاري لبتر، تناول فيها التحولات التي يعرفها الأدب وعلاقته بالصورة، وإمكانات انتقال النص الروائي إلى أشكال تعبيرية جديدة، في مقدمتها الرواية المصوّرة.

وانطلق أمين الزاوي من تجربته في القراءة وعلاقته القديمة بالقصص المصوّرة، مستعيداً حضورها في مخيلة جيله، حين كانت الصورة تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل عالم الطفل واليافع. ويستذكر قائلا «كنا قراء للقصص المصوّرة، ميكي، وبيف، وغيرهما».

وفي زمن لم يكن فيه التلفزيون حاضراً بقوة، كانت القصص المصوّرة، إلى جانب الراديو، وسيلة أساسية لصناعة الصور في مخيلة القراء. ويقول الزاوي «عشنا مع الراديو. ثم جاءت أيضاً القصص المصوّرة لتمنحنا الصور، ولتعطي معنى للحركات».

ويرى الكاتب أن تلك التجربة لم تكن مجرد قراءة عابرة، بل أسهمت في بناء خيال جيل كامل، قائلاً إن القصص المصوّرة «جعلتنا نحلم بعالم رائع، مليء بالمغامرات، والألوان الكثيرة، والسواد أيضاً، والأشكال المتنوعة. كل ذلك غذّانا خلال فترة شبابنا».

ومن هذه العلاقة القديمة بالصورة، انتقل الزاوي إلى الحديث عن الحضور المتزايد للرواية المصوّرة اليوم، باعتبارها ظاهرة تتجاوز حدود الشكل الفني لتطرح أسئلة أدبية واقتصادية وجمالية. فهو يرى أن الرواية المصوّرة أصبحت «ظاهرة كبيرة ومتنامية، خصوصاً على المستوى الاقتصادي»، مشيراً إلى انتشار العناوين الكبرى وبيعها بملايين النسخ في فرنسا والولايات المتحدة وكندا واليابان.

لكن أهمية الرواية المصوّرة، في نظره، لا تختزل في نجاحها التجاري، فهي تقوم على تفاعل شكلين من أشكال التعبير، هما الصورة والنص. ويقول: «إنها ظاهرة أدبية تجمع بين جنسين: القصة المصوّرة من جهة، والنص الأدبي من جهة أخرى».

هذا الجمع بين النص والصورة يفرض، بحسب الزاوي، علاقة مختلفة مع القراءة. فالقارئ المعتاد على الرواية التقليدية قد يشعر في البداية بشيء من الارتباك أمام تداخل الكلمة والصورة، إذ لا تتوزع الصفحات دائماً بالتوازن نفسه بين العنصرين.

ويقول: «في البداية نشعر بشيء من الارتباك عندما نجد النص الأدبي والصورة معاً».

وتختلف هذه العلاقة من عمل إلى آخر، تبعاً لطريقة اشتغال الفنان الغرافيكي وقدرته على خلق توازن بين النص والصورة. ويؤكد الزاوي أن المسألة «تعتمد على الفنان، وعلى الطريقة التي يستطيع بها ألا يترك اختلالاً في التوازن بين النص الأدبي والصورة».

ومن هنا، فإن تحويل رواية إلى عمل مصوّر لا يمثل مجرد إضافة رسوم إلى نص جاهز، وإنما يتطلب قراءة جديدة للنص وإعادة التفكير في شخصياته وأمكنته وحركته وإيقاعه.

وفي هذا السياق، تحدث أمين الزاوي عن مشروع تحويل روايته «دموع الصحراء»، الصادرة سنة 2023 عن دار داليمان، إلى رواية مصورة

وقد نشأ المشروع إثر لقاء الكاتب بفنان غرافيك أنجز الرسوم الخاصة بالكتاب، فيما أشار الزاوي إلى وجود مشروع آخر قيد الإنجاز.

ويرى أن الانتقال من الرواية إلى القصة المصوّرة أو الرواية الغرافيكية ليس عملية سهلة، وأن نجاحها يرتبط أساساً بطبيعة النص الأصلي. ويوضح «عندما تكون الرواية بصرية، ويمكن أن نجد فيها الشخصيات والطبيعة، يصبح تحويلها إلى عمل غرافيكي أمراً ممكناً. لكن عندما تكون الرواية فلسفية بعض الشيء، أو سريالية، أو غير مرتبة، فأعتقد أن الأمر يصبح صعباً».

غير أن «دموع الصحراء»، في رأيه، تمتلك خصائص تجعلها قابلة لهذا النوع من التحويل، لأنها تقوم على بناء بصري وحركي قريب من السينما. ويقول «هذه الرواية تشبه، إلى حد ما، فيلماً. إنها تُقرأ كما لو كانت فيلماً، وأعتقد أنه يمكن تحويلها، ومن الممكن إنجازها في شكل رواية مصوّرة».

ولا يكتفي الزاوي بالنظر إلى الرواية المصوّرة باعتبارها تجربة فنية جديدة، بل يدعو إلى منحها حضوراً أكبر داخل المؤسسة التعليمية والأكاديمية.

ويوضح «إذا كنا نريد فعلاً تشجيع الرواية المصوّرة، فعلينا تدريسها في الجامعة»، كما يرى أن من الممكن إدراج هذا النوع الأدبي ضمن البرامج الدراسية في المرحلة الثانوية، متسائلاً «لماذا لا نُدرّس رواية مصوّرة لتلاميذ السنة النهائية أو السنة الأولى من التعليم الثانوي؟».

ويرى أن حضور الصورة يمكن أن يفتح أمام التلاميذ طريقاً آخر نحو الأدب والقراءة، وربما يمنحهم متعة إضافية مقارنة بالتعامل مع النص الأدبي وحده.

وبالنسبة إلى صاحب «عسل القيلولة»، فإن الصورة لا تلغي الأدب ولا تنتقص من قيمة النص، بل تمنحه شكلاً آخر من الحياة. ويقول: «الكتاب، والرواية المصوّرة، هما كتاب في حالة حركة. إنه ليس كتاباً صامتاً. ففي النص الأدبي تكون الكلمات صامتة، ساكنة، لكن عندما تُرفق بالرسوم تصبح متحركة وحية».

وفي حديثه عن مستقبل الرواية المصوّرة، دعا أمين الزاوي إلى عدم التعامل معها باعتبارها مجرد شكل فني منفصل، بل ضمن منظومة تجمع الاقتصاد والجمال والتكوين الفني.

ويؤكد ضرورة «التفكير في الجانب الاقتصادي، والجانب الجمالي، وتكوين الفنانين الغرافيكيين»، معتبراً أن هذه العناصر مترابطة، لأن الكتاب، في نهاية المطاف، «ليس مجرد ورق ونص، وإنما هو كل ما يحيط بهذا الكتاب».

وتقود هذه الرؤية إلى تصور أوسع للأدب، لا يتوقف عند الحدود التقليدية بين الأجناس، بل ينفتح على الصورة والفنون البصرية وأشكال القراءة الجديدة. وفي هذا السياق، يؤكد الزاوي: «الأدب لا تحدده أجناس مغلقة ونهائية، بل هو دائماً فضاء مفتوح على تجارب أخرى، وعلى اكتشافات أخرى».

وتطرق أمين الزاوي إلى روايته الجديدة «البرتقالة الزرقاء»، التي صدرت باللغة الفرنسية في الجزائر عن دار داليمان، وباللغة العربية في مصر عن دار العين.

وأوضح أن النص العربي ليس ترجمة حرفية للنص الفرنسي، وإنما يمثل، بالنسبة إليه، «إعادة كتابة». فقد كتب الرواية أولاً باللغة الفرنسية، ثم عاد إليها باللغة العربية، مستفيداً من المسافة التي أتاحها له الوقت، ومن إمكانية النظر إلى النص الأول من زاوية جديدة.

وتتقاطع النسختان في الحبكة والشخصيات الرئيسية ومسار القصة، غير أن بينهما اختلافات في معالجة السرد وبعض التفاصيل، إذ تظهر شخصيات في النص الفرنسي لا نجدها في النص العربي، والعكس صحيح.

ويؤكد الزاوي: «الحبكة واحدة، والشخصيات الرئيسية هي نفسها، والقصة هي نفسها، لكن هناك مسافة بين النصين».